النادرة التي يجهلها البشر
بُنيَّ العزيز، عندما قررتُ إنجابَكَ كنتُ أعلمُ أنِّي سأستلُّكَ من عالمٍ كنتَ تعيشُ فيه بطريقةٍ غيرِ طريقتِنا في هذا العالمِ الغامض، فأماراتُ الاستفهامِ والاستغرابِ من هذا العالمِ باديةٌ بوضوحٍ في نظراتِك والتفاتاتِكَ ولمساتِكَ لكلِّ شيءٍ تراه.
أنا نفسي كنتُ أعيشُ في ذلكَ العالمِ الذي أخذتُكَ منه، ولكنِّي لا أتذكرُ اليومَ كيفَ كنتُ أعيش، ربَّما كانت حيواتُنا في دعةٍ وراحة، وقد تبدلَ حالُنا إلى الشقاءِ والتعب، وربما العكس، الله أعلم.
هندسةُ العالمِ المُشوَّهة
ولكنَّي أعلمُ الآن - وإن ادعيتُ العلم - أنَّنا في عالمٍ يحاولُ دائمًا أن يُغيِّركَ، أن يحطمَكَ ثم يُعيدُ بناءَكَ بهندستِه، أن يرسمَ ملامحَكَ لتتسقَ مع موجوداتِه، أن يجعلَكَ مزهريةً في ركنٍ مغبرٍّ ببيتٍ مُظلمٍ.
فإن وقفتَ تقارع هذا العالمَ الغريبَ لتحافظَ على نفسِكَ التي جئتَ بها، ستكونُ قد احتفظتَ بنادرةٍ من النوادرِ التي يجهلُها أغلبُ البشر. فهل تعلم ما هو أندرُ شيءٍ في هذا الكونِ رغمَ وجودِ الأِسبابِ الَّتي تجعلهُ غير نادرٍ؟
إنه العيشُ الذي تصونُ فيه نفسَكَ وتحتفظَ فيه بروحِكَ القديمةِ التي عبرتَ بها العوالمَ السابقة.
“فأنتَ ستعيشُ في هذا العالمِ مرةً واحدةً يتيمةً أقربَ إلى الحُلُم، فيجبُ عليكَ أن تُتقنَ معنى العيشِ الَّذي يرفعُ من شأنِكَ ولا يَحضُّ من كرامتِكَ.”
وقد تلقى في طريقِ حياتِكَ وجوهًا كثيرةً وأقنعةً أكثر، فلا تحاولْ أن تستعيرَها، فهيَ وجوهٌ وأقنعةٌ قد ذوت وذبُلت، كن نفسكَ أنت، وعبرْ عمَّا تشعرُ بهِ أنتَ لا ما يشعرُ بهِ غيرُكَ.
“فإن كرهكَ الناسُ لصدقِكَ فُزتَ أمامَ الله وأمام التاريخ، وإن أحبَّكَ الناسُ لكذبكَ فقد خسرتَ واللهِ.”
مسرحُ العالَمِ الهزليّ
بُنيَّ العزيز، منذُ قديمِ الزَّمانِ سعى بعضُ البشرِ الَّذينَ يكفُرونَ بالواقعِ ولا يُطيقونَهُ إلى جعلِ هذا العالمِ مسرحًا هزليًّا كبيرًا، ثمَّ درَّبوا شريحةً واسعةً من المُغفَّلين ليكونوا مهرِّجينَ فوقَ هذا المسرحِ البالي، حتى بلغَ بهم إتقانُ التهريجِ أن نَسوا حياتَهم الواقعيةَ، وأن اتخذوا الهزلَ حياةً وطريقةً لهم.
وإلى يومِنا هذا بَقِيت شريحةٌ واسعةٌ تصعدُ هذا المسرحَ طوالَ حياتِها حتى تموتَ وتُدفن، ليخلفَها من يجيءُ بعدَها. فهنا أقولُ لكَ: احذرْ من صعودِ هذا المسرح، وتمسَّك بالواقعِ الذي خُلقتَ من أجلِه، ولا تكن عبدًا لأقوال البشرِ العاديِّين.
“فالعاقلُ يعلمُ أنَّ أكثرَ الناسِ حمقى، وإذا أرادَ أن يُزيلَ شُكوكَهُ، دفعهم ليتحدثوا، فكلامُهم كفيلٌ لإزالةِ الشُّكوك.”
وأدعوكَ هنا أن تَتَّبِعَ أقوال أهل بيتٍ أيَّدهم الله تعالى، فكلامهم كلام الله، وأمرهم أمره.