📅 ١٨ فبراير ٢٠٢٦ ⏳ 4 د قراءة

عرشُ الوهمِ الزجاجيُّ

الكاتب
عليّ الشيخ أحمد الجمري شاعر، كاتب
عرشُ الوهمِ الزجاجيُّ
🎧 موسيقى مقترحة للقراءة

في قبوِ الروحِ التي تعيشُ الظلمةَ الحالكةَ، حيثُ الضوءُ لا يجرؤُ على التسللِ إلى أعماقِ النَّفسِ خوفَ أنْ يكتوي بسعيرِ الأنا المتورِّمَةَ بخُيلائها، يعيشُ - ويا لها من عيشةٍ - هذا الكائنُ البشريُّ الغريبُ الذي قطعَ كلَّ صِلاتِهِ معَ حقيقته الطينيةِ.

وأظنه قد يأبى على نفسِهِ أن يعيشَ في العالمِ الفسيحِ، وإنما جُلُّ غايتِهِ أن يحيا داخلَ سجنٍ في صدرِهِ لا تغادرُه العتمةُ، حيثُ أصداءُ أنفاسِهِ الجامحةُ تترددُ وكأنها تراتيلُ عابدٍ في معبدٍ مهجورٍ. يظنُّ واهمًا ومُتغطرسًا من فرطِ ما يشعرُ من غرورٍ أنَّ مركزَ الثقلِ في هذا العالمِ لا يقعُ في محورِ الكونِ، وإنما يقبعُ تحتَ قدميهِ المتضخِّمتينِ، وأنَّ الأفلاكَ في الفضاءِ السحيقِ والتي جُبلت على رتابتِها المُعجزةِ لا تسبحُ في مداراتِها أبدًا إلا لتتحلَّقَ حولَهُ ومن أجلِهِ.


إنِّي لأعجبُ من نظرتِهِ إلى هذا الوجودِ بعينٍ عوراءَ مخيفةٍ، فهو يرى في وجوه الآخرين شيئًا غيرَ لحمٍ ودمٍ، وغيرَ كونِها أرواحًا لها همومُها وأحلامُها، ربَّما يرى أنَّها لا تعدو كونَها مرايا دَورُها الوحيدُ في هذا الوجودِ هو أنْ تعكسَ صورتَهُ المتورِّمةَ بعيدًا عن واقعِهِ المتفسّخِ وقريبًا للصورةِ الخياليةِ التي رسمَها هو في خيالِه المريضِ.

فإن تجرَّأت المِرآةُ وعكسَت عاهةً واحدةً من عاهاتهِ فقد حكمَت على نفسِها أن يهشِّمها بلا رحمةٍ، لاعنًا غباءَ الزجاجِ الذي لمْ يفقهْ جلالَ الصورةِ ولم يشكرْ نعمَةَ وقوفِها أمامَهُ. أمَّا عقلُه فقد آلا على نفسِهِ ألَّا يستعملَهُ كأداةٍ للبحثِ والتَّفكيرِ، وإنَّمَا كان يحرصُ على أن يجعلَهُ قلعةً محصنةً، أسوارُها شيدت من فولاذِ الغرورِ، وخنادقُها ملأى بماءِ العِنادِ الآسنِ. فهو في أشدِّ حالاتِهِ الإيمانيَّةِ بأنَّ ما يقدحُ في ذهنِهِ ليسَ مجرَّدَ فكرةٍ قد خطرت على إنسانٍ عاديٍّ بل وحيًا ساقَهُ إليهِ رسولٌ من السماءِ، وما يجري على لسانِهِ ليسَ قولًا كقولِ العامَّةِ من البشرِ، بلْ تشريعًا خصَّهُ الرحمنُ بهِ ليُبلِّغَهُ إلى الآخرِ. أمَّا الآخرُ - ويالصبرِ الآخرِ - فهو الجحيمُ الذي يستحقُّ اللَّعنَ، وهو الخطأُ الأزليُّ الذي اقترفتُه يدُ البشريةِ، وهو النَّشازُ الذي يُعكِّرُ صفوَ السيمفونيةِ الأحاديةِ التي أهدرَ عمرَهُ في تأليفِها. إنَّ أيَّ فكرةٍ أو رأيٍ يتجرَّأُ على مخالفةِ هواهُ فإنَّهُ يُصنَّفُ فورًا في خانةِ الحسدِ أو المؤامرةِ الكونيةِ ضدَّ عبقريتِه الفذةَ.


“وكما أن للجرحِ المتقيِّحِ جاذبيَّةٌ للذبابِ، فإنّ هذا المخلوقَ الفريدَ يجتذبُ في فلَكهِ وجوقتِهِ من المخلوقاتِ الطفيليةِ أنواعًا وطبقاتٍ مختلفةٍ.”

إنهُ يعشقُ التملقَ عشقًا غريبًا أقربَ للمرضِ فلا يرتوي منهُ أبدًا كشاربٍ على الظمأِ ماءَ البحرِ لا يزيدهُ الشربُ منه إلا عطشًا. وأعتقدُ جازمًا أنَّ هوايتَهُ البحثُ عمنْ يتقنونَ فنَّ الانحناءِ الطَّوعِيِّ لجلالةِ مقامِهِ السَّامي، ومنْ يمتلكونَ مرونةَ الديدانِ في الزحفِ نحوَ حذائهِ.

ويا لأسفي عليه إذ غفلَ عن أن هؤلاءِ المتزلفينَ ليسوا أصدقاءً بمعنى الصداقةِ الحقيقيِّ، بلْ همْ وقودٌ يشعلونَهُ لتحترقَ ذاتَهُ، وهمْ الذينَ عكفُوا على نسجِ رداءٍ من الوهمِ لهُ ليوهموهُ أنَّ العريَ الأخلاقيَّ الذي يعيشُه ما هوَ إلا قمةُ الأناقةِ. ومما أعجبُ منهُ أنَّ البطانةَ الفاسدةَ تحوطُهُ كالسوارِ حولَ المعصمِ فتحجبَ عنهُ رؤيةَ ندوبهِ السَّافرةِ، وتُتمتمَ في أذنهِ - على عادتِها القبيحةِ - بأنهُ الأوحدُ والأجملُ والأحقُ بكلِّ هذه الهالةِ التي تغطيهِ.

إن هؤلاءِ الطفيليين يدركونَ بذكاءِ الانتهازيينَ - الذين يعيشونَ الحياةَ وهم مستعدون للوثوبِ في أي لحظةٍ - أنَّ مفتاحَ خزائنِهِ هو الإطراءُ غيُر المنقطعِ، فيملؤونه بالمديحِ جزافًا لسببٍ ولغيرِ سببٍ، وينحتونَ من أدقِّ تفاهاتِهِ ملاحمَ لم يأتِ بها أحدٌ من قبلهِ، ومن أخطائهِ الفاحشةَ حكمةً لا تدركُها العقولُ الناقصةِ.


وراءَ هذا القبو النفسيِّ وفي أعمق نقطةٍ فيهِ وتحتَ طبقاتِ الغرورِ الصلبةِ، يعيشُ خوفٌ بدائيٌّ قديمٌ ورعبٌ هائلٌ من لحظةٍِ ينكشفُ فيها المستورُ. فبرأيي أن كلَّ إنسانٍ يعيشُ هذا النمطَ من الحياة يعيشُ معهُ هاجسُ الانكشافِ، فهو يخافُ الصدقَ خوفَ الخفافيشِ للنورِ، فتصيرُ عندَهُ الكلمةُ النَّاصحةُ الصادقةُ خنجرًا منقوعًا في زعافِ السُّمِّ يهدد بفقءِ الفقاعةِ التي يعيشُ داخلها.

لذا فإن أنجعَ علاجٍ لمخاوفِهِ هوَ إقصاءُ النَّاجحينَ ومحاربةُ الشرفاءِ الكريمين حيثَُ يرى في عيونهمُ الثاقبةِ ونبرتهِم الثابتةِ مرآةً للحقيقةِ التي لا يرغبُ في النظرِ إليها. إنَّ الغرقَ في مستنقعِ الكذِبِ أحبُّ إليهِ من أن يقفَ دقيقةً واحدةً على أرضٍ صلبةٍ تُسمَّى الحقيقةُ.


غيرَ أنَّ مأساةَ هذهِ الشخصيةِ تكمنُ في عزلتِها الوجوديةِ القاتلةِ التي تحتّمُ عليها التقوقعَ في ذاتِهَا حتى ترفضَ الآخرَ، فهذا الإنسانُ يعيشُ وحيدًا تمامًا رغمَ كلِّ الزحامِ وكلِّ الأَضواءِ المفتعلةِ عندهُ وحولَهُ. فما من أحدٍ يحبُّهُ لذاتِه وشخصهِ إنما هم يحبُّونَ أكلَ الفتاتِ الذي يتساقطُ على مائدتهِم الوضيعةِ، أو ربما يخشونَ السوطَ الذي يلوِّحُ بهِ أمامهم فهو خبرَهم جبناءَ لا يقوونَ على تحمِّلِ الآلامِ.

لقدْ استطاعَ أن يبنيَ جدارًا سميكًا من الأنا ليتركَ نفسَهُ حبيسةً خلفَهُ ظانًا أنهُ يحتمي من العالمِ، بينما هو في الحقيقةِ يدفنُ نفسَهُ حيًا. فروحهُ السامةُ صحراءُ قاحلةٌ لا ينبتُ فيها زهرُ الحُبِّ ولا عشبُ التعاطفِ، وكل ما ينبتُ فيها هوَ أشواكُ النرجسيةِ السامةِ التي تدمي كلَّ منْ يقتربُ منها.

وإني لأتنبأ أنَّهُ في نهايةِ المطافِ حينما ينفضُّ السامرُ وتخفتُ أضواءُ المسرحِ، سيبقى هو وحدَهُ يحدقُ في الفراغِ، حينها لنْ يجدَ شيئًا سوى صدى صوتِهِ المبحوحِ، وظلِّهِ الذي بدأَ يتلاشى في الظلامِ..

“مدركًا - ربما بعدَ فواتِ الأوانِ - أنَّ منْ يعشْ لنفسِهِ فقطْ.. يمتْ دونَ أنْ يشعرَ بهِ أحدٌ.”

أعجبتك التدوينة؟ شاركها مع أصدقائك

واتساب X فيسبوك

عليّ الشيخ أحمد الجمري

@irecord.a

عرشُ الوهمِ الزجاجيُّ

"يغوصُ هذا النصُّ الأدبيُّ في أعماقِ شخصيةٍ نرجسيةٍ ترى العالمَ مجردَ انعكاسٍ مشوهٍ لذاتها المتضخمةِ. إنهُ تشريحٌ دقيقٌ لمأساتها وهيَ تقتاتُ على نفاقِ ..."

اقرأ التدوينة كاملة 👇