📅 ١٥ فبراير ٢٠٢٦ ⏳ 7 د قراءة

لغةُ الصّمتِ الفصيح

الكاتب
عليّ الشيخ أحمد الجمري شاعر، كاتب
لغةُ الصّمتِ الفصيح
🎧 موسيقى مقترحة للقراءة

في ليلٍ بهيمٍ - كعادتي في طقوسِ التَّأملِ - أغلقتُ بابي عنِ العالمِ وأسدلتُ ستائرَ نافذتي كي لا يسرقَ ضوءُ القمرِ النظرَ إلى أوراقي، وجلستُ قبالةَ نفسي في تلكَ العتمةِ المقدسةِ التي أعشقها كلَّما لمعت فكرةٌ في ذهني. كانتِ الغرفةُ تغوصُ في سكونٍ لا يقوى شيءٌ على تعكيرِه سوى صوتِ أنفاسي المترددةِ، أنفاسي التي كأنّها دقاتُ ساعةٍ رمليةٍ تحصي ما تبقى من عمرِي. هناكَ ناديتُ نفسي فخرجتْ من مكمنِها كأنها الماردُ وهو يخرجُ من قمقمهِ، خرجت شفافةً كدخانِ البخورِ وعيناها غيمتان تعكسانِ غموضَ السماءِ.

تمتمتُ لها بصوتٍ خافتٍ خوفَ أن أوقظَ العالمَ بسيلِ أفكاري الجارفةِ: “يا نفسي هلَّا أخبرتِني عن هذا العالمِ. فإني قد احترتُ جوابًا وعييتُ سؤالًا ما هوَ هذا السيركُ الكبيرُ الذي نرقصُ فيهِ على حبالِ الوهمِ؟ أهوَ حقيقةٌ نلمسُها أم حلمٌ يراهُ نائمٌ لم يستيقظْ بعدُ؟”

“يا رفيقي القديمُ في القيدِ منذُ وطأنا هذا الوجودَ سويًا، إنَّ العالمَ ليسَ ما تُدركُهُ عيناك قصيرتا النَّظرِ ولا ما تتحسَّسهُ يداكَ قصيرتا الطولِ، إنَّ هذا العالمَ آلةٌ موسيقيةٌ عملاقةٌ جُعلت أوتارُهَا من نورٍ ونارٍ لكنَّ البشرَ - ويا لثقلِ سمعِهم - أبوا إلا أن يسمعوا صوتَ النَّشازِ الذي يُطلقونَهُ من قيثارةِ أهوائهم. فقد ظنوا منذُ قديمِ الزَّمانِ أنهم يمشونَ على أرضٍ صلبةٍ بخطواتٍ ثابتةٍ لا تتزحزحُ، وفي الحقيقةِ هم يمشون على قشرةٍ رقيقةٍ تعومُ فوقَ بحرٍ عميقٍ منَ الغيبِ.

وتابعت تمتمتها التي تموجت لها عتمة المكان: “إنَّ العالمَ - يا صحبي الأخيارُ - مرآةٌ مهشمةٌ وكلُّ شظيةٍ فيها تظنُّ أنها تعكسُ الشمسَ كاملةً، أما الواقعُ الذي لا تفقهه هذه الشظايا هو أنها لا تحتملُ أن تعكسَ إلا الجزءَ الضئيلَ منَ النورِ الأعظمِ. أمَّا الناسُ - ويا للناسِ - فإنَّهم يركضون في هذا العالمِ خلفَ ظلالِهم وهم نيامٌ ظانِّين أنَّ ظلالَهم إذا ما طالت فإنهم عمالقةٌ، وأنَّها إذا ما قصُرت فإنَّهم أقزامٌ، والظلُّ في الحالتينِ وهمٌ لا يغني منَ الحقِّ شَيْئًا.

هدأت نفسي قَلِيلًا تجرُّ نفَسًا عميقًا إلى رئتيْهَا الشَّفافتيْن، ثم جعلَت تُشيرُ بإصبعٍ من نورٍ إلى الأوراقِ أمامي، وشرعَت تقولُ: “تأمَّلْ هذهِ الأشياءَ، وانظرْ إلى فلسفةِ الجمادِ، فأنتَ تحسبُ الأوراقَ خرساءَ والقلمَ جَمَادًا والطاولةَ خَشَبًا ميتًا. ولكنَّكم - يامعشرَ البشرِ - ما أكثرَ ما تظلمونَ الأشياءَ! لم يحدثْ أن وُجِدَ شيءٌ أخرسُ في هذا الكونِ منذُ خلقَهُ اللهُ بحكمةٍ، والأحرى أننا نحنُ من فقدنا لغةَ السمعِ. فكلُّ ذرةٍ في هذا الخشبِ لا تنفكُّ تسبّحُ بحمدِ ربِّها بُكرةً وأصيلًا، وكلُّ قطرةٍ في قارورةِ الحبرِ تحنُّ إلى الكلمةِ التي ستحررُها من السجنِ العميقِ الذي تعيشُ فيهِ. أما الأشياءُ يا صديقي القديم فهيَ قُدرةُ اللهِ المتجسدةُ في هذا الكونِ، وهيَ أرواحٌ تجمدتْ وبقيت تنتظرُ يدًا حانيةً تعيدُ لها الحياةَ فتخدمَ هذا العالمَ الفسيحَ، فيا صديقي - وأنا الذي أحسبُكَ فطنًا لهذا - لا تحتقرنَّ حَجَرًا تعثَّرتَ بهِ يومًا، فربما كانَ ذلكَ الحجرُ أقدمَ حكمةً من عقلِكَ، وأشدَّ ثَباتًا في تسليمِهِ للمشيئةِ الإلهيةِ من قلبِكَ المتقلبِ.”

بدأت برودةٌ كالصعيقِ تسري في أوصالِي، وقد شعرتُ أنَّ الجماداتِ حولِي قامَت من مكانِها لتحدِّقَ بي بعيونٍ عاتبةٍ، فعدتُ لأطرحَ أسئلتي وأبحثَ عن ملاذٍ في المشاعرِ البشريةِ وقلتُ: “ماذا عنِ الفرحِ؟ أليسَ الفرحُ هوَ الغايةَ التي نسعى إليها نحنُ البشرُ؟ تلكَ الرعشةَ التي تسرقُنا منَ الزمنِ؟”

شقَّت ثغرَها عن ابتسامةٍ فيها منَ المرارةِ بقدرِ ما فيها منَ الحلاوةِ، وقد أجابتْ بنبرةٍ فيها من الحكمةِ الكثيرُ:

“آهٍ منكم أيها البشرُ، وإني لأعجبُ منكم إذ إنكم تطاردونَ الفرحَ كفراشاتٍ تطاردُ ضوءَ النارِ لتحترقَ بهِ. ليسَ الفرحُ - يا رفيقَ الدربِ الطويلِ - كما نعتقدُ ضحكةً مجلجلةً تشقُّ الصمتَ الوقورَ الذي اعتدناهُ، ولا هوَ كأسٌ مترعةٌ نجرعهُ لننسى. ذلكَ فرحُ الغافلينَ الذينَ لم يعرفوَا من الحياةِ غيرَ نشوةِ السكارى. أما الفرحُ الحقُّ - إن أردتَ اعتقادِي فيه - فهوَ السكينةُ الطويلةُ التي تجلسُ معها دونَ أن تقومَ بأيِّ شيءٍ لتدفعَ الأذى عنكَ، وهوَ أن تقفَ في وجهِ العاصفةِ دونَ أن ترتجفَ لحظةً رغم قسوتِها التي تهدمُ جبلًا أشمَّ.”

وأردفت قائلة: “الفرحُ هوَ أن تفقهَ أنكَ والكونَ بكلِّ ما فيكُما من تعقيدٍ شيءٌ واحدٌ لا ينفكَّان، فلا تأخذُكَ نشوةُ الامتلاكِ لأنكَ تملكُ كلَّ شيءٍ ولا تملكُ شَيْئًا. أيها البشرُ إنَّ فرحَكمُ الأرضيَُ ومضةُ برقٍ خاطفٍ في ليلٍ بهيمٍ، هذه الومضةُ تريكمُ الطريقَ لحظةً ثم تتركُكم في ظلامٍ أشدَّ، أما الفرحُ العلويُّ فهو فجرٌ دائمٌ لا شمسَ لهُ ولا غروبَ.

سألتُها وأنا أُجري يدي لأتحسسَ ندوبًا قديمةً في صدري لم أنسَها يومًا: “إذنْ، وما الحزنُ؟”

دنت مني كثيرًا حتى ظننتُ أنها قد لامسَت جبهتي بكفِّها، وهمستْ بصوتٍ يشبه صوتَ الريحِ في الخرائبِ: “الحزنُ - يا صاحبي - هوَ المعلمُ الأكبرُ في حياتِكم أيها البشرُ وهوَ الإزميلُ الذي ينحتُ الروحَ ليخلّصَها من زوائدِ الطينِ ويصيِّرها جوهرةً ثمينةً وسطَ كومةٍ من الحجارةِ. فلولا الحزنُ الذي يصيبُك لما عرفتَ أنَّ هذه الدارُ دارُ غربةٍ وأنكَ غريبٌ فيها منذُ اليومِ الأولِ الذي جئتَ فيهِ إليها. والحزنُ - يا صاحبي إن أصبتُ - هوَ حنينُ الجزءِ إلى الكلِّ، وهوَ دمعةُ الروحِ المحبوسةِ في قفصِ الجسدِ وهيَ تتوقُ إلى فضاءاتِ الإطلاقِ.”

“لا تهربْ منَ الحزنِ أبدًا وكن شجاعًا وادخلْهُ بكلِّ ما لديكَ من قوةٍ ومهارةٍ، ثمَّ غصْ في أعماقِهِ ففي قاعِ بئرِ الأحزانِ ستجدُ ماءَ الحياةِ الصافيَ. عندها ستتيقَّن أنَّ الذينَ يرقصونَ دَائِمًا لا يسمعونَ تلاوةَ النجومِ، أمَّا الباكونَ في المحاريبِ وحدَهمُ يفقهونَ سرَّ الليلِ. يا صاحبٍي لطالمَا اعتقدنا أنَّ الفرحَ يقابلُه الحزنُ، وأنا أجزم لكَ أن الحزنَ ليسَ نقيضَ الفرحِ لكنَّهُ توأمُهُ السياميُّ، فهما لا ينفصلانِ إلا ليموتا مَعًا.”

رفعتُ طرفي أنظرُ إليها وأنا شاردُ الذهنٍ في ثنائيةِ الضحكِ والبكاءِ، فقلتُ: “ما هي هذه النارُ التي تأكلُنا؟ ما هو هذا الشغفُ الذي يدفعُنا لنحفرَ في الصخرِ ونركبَ البحرَ؟”

فتحَت عينيْها وقد توهجتْ هاتانِ العينانِ السرابيَّتانِ كجمرتيْنِ تحتَ الرمادِ، ثم قالتْ بنبرةٍ تشبهُ صوتَ الحكيمِ في المسلسلاتِ التاريخيةِ: “إنَّ الشغفُ هوَ وقودُ الرحلةِ التي ركبتها في هذا الوجود، ويمكن أن نقول أيضًا أنه هوَ الزيتُ الذي يُشعلُ النورَ في قنديلِ الأرواحِ. فلولا الشغفُ يسكنُ في نفوسِكم أيها البشرُ لكانَ الكونُ مقبرةً باردةً معتمةً غيرَ قابلةٍ للعيشِ. والشغفُ هو الجنونُ المقدسُ الذي يجعلُ البذرةَ المطمورةَ تحت طبقاتٍ من الرمالِ تشقُّ الأرضَ لتبحثَ عنِ الشمسِ الكامنةِ في السَّمَاءِ، ويجعلُ النهرَ الفتيَّ يركضُ مسرعًا وبلا هوادةٍ ليعانقَ البحرَ ويركنَ إلى أحضانِه.”

“لكنِني يا صديقي أحذِّرك! فالشغفُ جوادٌ جامحٌ إنْ لم تمسكْ بلجامِهِ بساعديكَ القويتيِْن فقد يرميك في الهاويةِ السَّحيقةِ، وإن قدتَهُ بحكمةٍ أوصلكَ إلى العرشِ. أما اليوم - ويا لأسفي - فإنَّ شغفَ الناسِ موجهٌ نحو الطينِ أو نحو تكديسِ الذهبِ وجمعِ الحطامِ، وهذا شغفٌ يحرقُ صاحبَهُ ويذرُّهُ رمادًا في هذا العالمِ. أما الشغفُ الحقيقيُّ فهو العشقُ الذي لا يفتأُ يجددُ الروحَ في الجسدِ، عشقُ الجمالِ المطلقِ، عشقُ المعرفةِ النَّهمةِ التي لا تشبعُ مهما غذيتَها، كما أنه التوقُ الدائمُ للانعتاقِ من كل أصنافِ العبوديةِ. فكنْ - يا أيها العزيزُ - شَغُوفًا لا بما يزولُ ولكن بما لا يحولُ ولا يزولُ.”

بصوتٍ يائسٍ سألتُ: “أينَ الأملُ؟ وهل بقيَ لنا شيءٌ نتمسكُ بهِ وسطَ هذا الطوفانِ؟”.

حينَ سمعَتْ هذا السؤالَ تغيرتْ ملامحُها واكتستْ بوقارٍ يشبهُ وقارَ الأنبياءِ، ثمَّ شرعَت تقولُ وهيَ تشيرُ إلى بقعةِ ضوءٍ باهتةٍ بدأتْ تتسللُ من شقِّ النافذةِ: “الأملُ هوَ ذلكَ الخيطُ الأبيضُ الممتدُّ منَ السماءِ إلى الأرضِ والذي لولاهُ لماتتِ الحقيقةُ قَهْرًا، فكلما انقطعَ هذا الخيطُ وصلناهُ بدموعِنا ودعواتِنا. أو لعلَّني أدَّعي أنَّه الحقيقةُ الوحيدةُ في عالمِ الأكاذيبِ. يا صديقي إنَّ الأملَ ليسَ أن تنتظرَ أن تمطرَ السماءُ ذَهَبًا فذلكَ ضربٌ منَ الخيالِ ولكن أن تغرسَ البذرةَ في الصحراءِ وأنتَ تعلمُ أنكَ قد لا تأكلُ ثمرَها ومع ذلكَ توقنُ أنَّ فعلَكَ لن يضيعَ في سجلِّ الوجودِ.

“ولأجعلَها في متناولِ فهمكَ يا صديقي العزيز، فإنَّ الأملَ هوَ العينُ الثالثةُ التي ترى الفجرَ قبلَ أن ينبلجَ وترى السنبلةَ في الحبةِ وترى الجنةَ في قلبِ الألمِ. فهلَّا أنصحُكَ بصدقٍ؟ لا تقلْ: ضاعَ الأملُ، فالأملُ لا يضيعُ لأنهُ ليسَ ملكَكَ وإنَّما هوَ نفحةٌ من روحِ اللهِ، والحقُّ أننا نحنُ من نضيعُ حينَ نديرُ ظهورَنا للنورِ، أما النورُ فباقٍ ما بقيتِ السماواتُ.”

أنهَتِ النفسُ كَلَامَها فعادَ الصمتُ ليملأَ الغرفةَ من جديدٍ، لكنهُ لم يكنْ صَمْتًا موحِشًا كما كانَ عليهِ سابقًا، فلقد صارَ الآنَ صَمْتًا ناطِقًا فصيحًا ومزدحِمًا بالمعاني. أخذتُ أنظرُ إلى يدي وإلى القلمِ وإلى الظلامِ فرأيتُ كلَّ شيءٍ بعينٍ جديدةٍ غيرِ تلكَ العينِ التي كانت تسكنُ وجهي. عرفتُ أنني لستُ أعيشُ وَحِيدًا في هذا الكونِ وأنَّ هذا العالمَ بكلِّ ما فيهِ من تناقضاتٍ ليسَ إلا جِسْرًا نعبرُ عليهِ من ضفةِ الأنا الضيقةِ إلى ضفةِ الكلِّ الرحبةِ.

نظرتُ إلى أوراقِي تستريحُ على حُضنِ مكتبِي ووجدتُّها بيضاءَ لم أرسمْ حرفًا واحدًا عليها، فجمعتُها بينَ يديَّ وأنا أثقُ أن كلَّ شيءٍ قد دارَ بيني وبينَ نفسي سيُنقشُ على جدارِ قلبِي وسيظلُّ محفوظًا، وقد فطِنتُ حينها أنَّ الأرقشَ [*] لم يكنْ فاقدًا عقلَهُ حينَ اتخذَ الليلَ سامرًا يحادثُهُ ويبثُّهُ عصارةَ ذهنِهِ، لكنَّهُ كانَ أعقلَ العقلاءِ فقد علِمَ أنَّ الكلامَ محضُ قشورٍ، وأنَّ الصمتَ لغةٌ أسمى من كلِّ اللغاتِ لا يُتقنها إلَا مَن خصَّهُ الله بفيضِهِ، وأنَّ الحياةَ هيَ لحظةُ الوعيِ التي تقعُ بينَ الشهيقِ والزَّفيرِ.


[*] الأرقش: هي الشخصية الرئيسة في رواية "مذكرات الأرقش" للكاتب والفيلسوف ميخائيل نعيمة.

أعجبتك التدوينة؟ شاركها مع أصدقائك

واتساب X فيسبوك

عليّ الشيخ أحمد الجمري

@irecord.a

لغةُ الصّمتِ الفصيح

"في عتمةٍ هادئةٍ بعيدةٍ عن صخبِ العالم، جلستُ أحاورُ نفسي لأستنطقَها عن أسرارِ الوجودِ وحقيقةِ المشاعرِ التي تتقاذفُنا. وهذا النصُّ هو ثمرةُ تلكَ المكا..."

اقرأ التدوينة كاملة 👇