منفى الرُّوحِ
كنتُ أظن أن انعزالي خلفَ تلك الجدرانِ الصامتةِ فرارٌ من ضجيجِ العالمِ الباهتِ الذي أعيانا بتعقيداتِه، ولكنَّني قد أيقنتُ أن هذا الانعزالَ هو في الواقعِ غرقٌ اختياريٌّ في الطوفانِ الذي يجتاحُ كيانَنا الداخلي. فهل تعلمُ يا صديقي أنني أنا الذي قد أقدمتُ على هذا الاختيارِ بمحضِ إرادتي الحرةِ ولم تكن لأحدٍ سلطةٌ تأثِّرُ عليَّ فيهِ؟
لقد كنتُ أعيشُ في تلكَ العزلةِ التي يتحولُ فيها كلُّ سكونٍ وكلُّ صمتٍ طويلٍ من سكونٍ وصمتٍ يعبران الأرجاءَ إلى وحشٍ خرافيٍّ غيرِ مرئيٍّ يبتلعُ المكانَ بأكملِهِ دونَ أن يُشبعَ نهمَه، ثمَّ يُحيلُ الغرفَةَ - التي تأوي جسدي - قوقعةً زجاجيةً أستطيعُ من خلالِها أن أنظرَ إلى العالمِ، ولكنَّ هذا العالمَ يأبى أن يمسَّني أو أن يتَّصلَ بي.
حينهَا في لحظةٍ من تلكَ اللحظاتِ التي لا تتكرَّرُ إلَّا في حالاتِ الصَّفاءِ، رأيتُ أن أرديةَ التكلُّفِ الاجتماعيِّ التي تعودنَا أن نستر بهَا أنفسنَا قد سقطت عنِّي، فوقفتُ أواجهُ نفسي وهي مجرَّدةٌ من كلِّ ما يسترُها كشجرةٍ جردَها الخريفُ حتى آخرِ أوراقِ الزهوِ التي تغطيها.
فوجدتني - وأنا الذي كنتُ أحسبُني مدركًا طُرُقَ نفسيِ - غريبًا عنِّي وبعيدًا عمَّا بنيتُهُ ومنفيًّا إلى أقصى عوالمِ النَّفس. ففي تلك اللحظةِ قد شعرتُ أنني أجالسُ ظلًّا أثقلَهُ الإدراكُ، فمَا عدتُ أعرفُ له ملامحَ يمكنُ من خلالِها أن أطردَ حالةَ الخوفِ التي تجتاحُني، ولا آلفُ لهُ هيأةً تجعلُني أطمئنُّ إلى أنَّني ما زلتُ محافظًا على هذه النَّفس.
فشعرتُ أنَّ المأوى القديمَ الذي يدثرُني عن أعينِ الناسِ قد تحوَّلَ إلى منفًى للروحِ، وصرتُ أنا ذلكَ السجانَ الذي يسومُ ضحيَّتَهُ سوءَ العذابِ وروحي هي السجينةُ التي لم أتوانَ عن سحقِ ماهيتِهَا النورانيةِ. فمَا انفككتُ أمارسُ عليها صنوفَ التعذيبِ الصامتِ بنبشي ركامَ الذاكرةِ، وقد صرتُ باستدعائي ذكرياتِي التي خلَت وتشتَّت في أعمقِ نقطةٍ في عقلي كمن يبحثُ عن جمرةٍ حيَّةٍ تشتعلُ تحتَ الرمادِ ليحملَها ويحرقَ بها أَصابِعَهُ، حتى وصلتُ يا صديقي إلى إدراكِ أنَّ الوحدةَ التي نعيشُهَا تكمنُ في تلكَ الوحشةِ التي تجعلُكَ تفرُّ من ذاتِكَ القديمةِ فلا تجدُ مهربًا تلجأُ إليهِ إلا إليها.
بقيتُ أنتظرُ طويلًا حتى نزفتُ كل أزمنتي، فهذا النزيفُ غيرُ المرئيِّ يعتاشُ على نضارةِ العمرِ التي لن نحظى بمثلِهَا كلَّمَا تقدمت بنا السنينُ، ويمكنني أن أشبههَا بتلكَ الحالةِ التي يكونُ فيها الإنسانُ معلَّقًا بين السماءِ والأرضِ وهو يشدُّ روحَهُ بحبالِ الأملِ الواهيةِ فتكادُ هذه الحبالُ أن تتمزَّق.
لقد كانَ يا صديقي انتظارًا هو أشبهُ بوقوفِ غريقٍ على لوحٍ من الخشبِ وسطَ محيطٍ لا تُرى له شطآنٌ فتُدركُهُ، فيبقى يُسمِّرُ نظرَهُ إلى الأفقِ حتَى يتحولَ الماءُ في عينيهِ إلى حقيقةٍ لا مفرَّ منها.
وفي تلكَ اللحظةِ بالذاتِ تتوقَّفُ السَّاعةُ عن جريانِهَا الطبيعيِّ ليتحولَ الزمنُ إلى مستنقعٍ آسنٍ تغرقُ فيهِ أحلامُنَا دونَ أن تُصدرَ صوتًا ليدركهَا أحدٌ. عندها تدركُ أن حياتَكَ ما هي إلَّا مسودةٌ باهتةٌ كُتبت بقلمِ رصاصٍ، أو هامشٍ طويلٍ ومملٍّ ينتظرُ أحدًا ليعيدَ صياغتَهُ ويحوِّلَهُ إلى متنِ حكايةٍ تأبى أن تأتيَ إلى العالمِ الواقعيِّ. وكلَّ ما طالَ الانتظارُ تحولَت دقَّاتُ القلبِ إلى أسئلةٍ تفتقرٍ إلى إجاباتها المنطقيَّةِ.