بَدْلَةُ الحضارةِ وجِلْدُ الوحشِ
بنيَّ العزيز
استطاعَ هؤلاءِ البشرُ في ما ترى منذُ امتلكوا هذا الكوكبَ أن يبنوا حضارةً فاتنةً تحفُّها المعجزاتُ التي تخلُبُ عينَ كلِّ فيلسوف، وكانت المدنيَّةُ هي درةُ التاجِ عندَهم، ولكنَّهم - والحقُ يُقالُ - عجِزوا عن بناءِ الإنسانِ الذي يجعلُ من روحِه ملاذًا لكلِّ الإنسانية! فقد واصلَ الإنسانُ توحشَه القديمَ قِدَمَ التاريخِ واستوردَ نزعتَه المخيفةَ لسفكِ الدماءِ التي جُبِلَ عليها آباؤهُ القدماءُ، وقد أضافَ على هذهِ النزعةِ الشرسةِ تحسيناتِه الإبداعيةَ التي تجعلُ من فعلِ القتلِ عملًا مقبولًا تؤيدهُ فيه الأعرافُ والمواثيقُ! فالإنسانُ الحديثُ - وأنا أعترفُ لكَ بهذا - مخلوقٌ ذكيٌّ يحاولُ جاهدًا أن يُوجِد لنفسِه مسوّغاتٍ تُبرِّرُ لهُ كلَّ دناءةٍ يقومُ بها، وإن لم يجدْ هذهِ المسوغاتِ، فستراه إنسانًا مُتقنًا لكلِّ خِدَعِ التضليلِ التي تُعضدُه على فرضِ رغباتِه في هذا العالمِ، فما الفرقُ بينَ هذا الإنسانِ المتوحشِ، والإنسانِ الذي عاشَ قبلَ آلافِ السنين يسفكُ ويأكلُ لحمَ الإنسانِ الآخرِ، حتى ادعوا أنهُ تطوّرٌ طبيعيٌّ عن القرد؟ أما الجوابُ فهوَ أبسطُ مما تتوقّع؛ لأن الإنسانَ القديمَ كانَ يوغِلُ في الدَّمِ وهوَ يرى أن فعلَه ينبعُ من صميمِ نفسِه الوحشيةِ، فيعتقدُ لهذا أنَّه فعلٌ عادلٌ يقومُ هو نفسُه بأدائِه، فيفتخرَ إذا ما تلطخَ جسدُه بدمِ قتيلِه، وأما الإنسانُ الحديثُ فيدَّعي أنه متحضِّرٌ يشمئزُّ منَ الدَّمِ القاني ورائحتِه ولُزوجتِه وصار يخشى أن تتلطخَ بَدلتُه بهذا الدَّمِ الكريهِ، فراحَ يُبدعُ في صناعةِ أنواعٍ مختلفةٍ من القتلِ الذي يأتي على آلافِ البشر في ثوانٍ معدودةٍ، دون أن يتلطخَ هو نفسُه بقطرةِ دمٍ واحدةٍ، وباختصار، فإنَّ الإنسانَ القديمَ -حَسَب زعمهم- نزعَ جلدَ القِردِ المتوحشِ عنه ولبِسَ جلدَ الإنسانِ البدائيِّ المتوحش، والإنسانُ الحديثُ أبقى على جلدِ البدائيِّ المتوحش، ولبِسَ فوقَه بَدلةَ الإنسانِ الحضاريِّ الأنيقِ.
بنيَّ العزيز
لقد أسرفتُ لكَ في الحديثِ عن أمورٍ تُكدِّرُ النفسَ، إلَّا أني أحبُّ أن تعرفَ أنَّ هذا العالمَ الرائعَ لغزٌ كبيرُ ومُبهمٌ، وبعضُ البشرِ الذينَ يقطنون فيه، هم وحوشٌ ضاريةٌ متسربلةٌ برداءِ الحضارةِ البرَّاق، فهل كنتَ تعتقدُ أنَّ العجائزَ وكبارَ السِّنِّ الَّذينَ بلغوا ذروةَ الحِكمةِ قد فطِنوا إلى هذا العالمِ وهذه الحياةِ وهم في أوجِ شبابهم؟ فالحقيقةُ أنَّ القليلَ منهم كانَ حكيمًا في صغرِه، ولكنَّ أغلبَهم اكتسبَ الحِكمةَ في كِبرِه وبعدَ أن تهدمَ جسمُه، فالإنسانُ ما دامت ذراعُه رطبةً وقويَّةً يبطشُ بها كلَّ البطشِ، فإذا يبِسَت وضعُفت، راحَ يصرخُ في الناسِ أن لا تبطشوا! وهنا أرجو لكَ أن تكونَ حكيمًا في جسمِ شابٍّ لا حكيمًا في جسمِ عجوزٍ، وهذا أحدُ أسرارِ الحياةِ.