انشِطَارُ الرُّوحِ ومَقْبَرَةُ المَسَافَات
إنَّ هذا الوجود المزدحم والممتلئ بالعبث يقف فيه المرءُ بلا جلدٍ أمام حقيقة واحدة يستحيل إنكارها فهي لا تقبل التشكيك أصلًا، هذه الحقيقة لا يحدُّها المنطق البشري ولا تحكمها قوانين الطبيعة الصارمة؛ هذه الحقيقة هي الأم، هي ذلك الكيان الذي صنعه الله ليكون الملجأ والملاذ الأخير لكلِّ روحٍ ممزقةٍ دأبت تبحثُ عن المعنى الأبلج في عالم يفترسُ كلَّ شيء.
وإنِّي أجدُ الألمَ تتجلى صورته في المسافات الشاسعة التي - ومنذُ اليومِ الأول - جعلت تفصل بين الإنسان ومنبع تكوينه الأول، فهذا الإنسان فجأة وجد نفسه ملقىً في أرضٍ بعيدةٍ وبقعةٍ نائيةٍ عن أمه، وهو يضمُّ بين ضلوعه قلبًا ينبضُ عند قدميها في شبهِ قارةٍ أخرى. هل ترى أن هذا الانشطار الوجودي مجرد حالة طارئة أصابت هذا الإنسانَ الضعيفَ؟ إنِّي أراهُ قدرًا مفجعًا كُتبَ على المرء أن يعيشه بكل جوارحه وهو يراقب حياته كيف تتسرب من بين أصابعه عاجزًا عن أن يمسك يدَ الحقيقةِ التي تمنحه مبررًا للبقاء.
إنَّ المأساة تتجلى عند الإنسان عندما يكتشف أنَّ اللحظة التي قُطع فيها الحبل السري الذي يربطه بأمه قد أدخلته إلى عالمٍ غرائبي لا يمكن التنبؤ بما سيدور فيه، ولكن المأساة تكون أعظم إذا قُطع الحبل السري مرتين؛ مرةً بولادته ومرةً أخرى إذا اختلف لسان الابن ولغته عن لسان الأم ولغتها.
فهذا الابن لفرط حبه أمه قد يكتب أرقَّ القصائد وأعذب النصوص التي تعبّر عن ماهية الشعور في قلبه، ولكنها ستظل رموزًا مبهمةً غير ذات معنى عند أمه؛ فهي قد تعجز عن فهم النص لوجود حاجزٍ أصمَّ كامنٍ بينهما فرضته الأقدار، بعيدًا عن أي قصورٍ في إدراكها أو تعقيدٍ في صياغته. هذا الحاجز يُحيل لغة الابن طلاسمَ لا تجد سبيلها إلى وعي أمّه.
ولكنني أعتقد جازمًا - رغمًا عن العبث اللساني واللغوي - أن المشاعر الصادقة تملك ذبذباتٍ لا تحكمها قواميس البشر ولا لغاتهم، فالأم - يا للأمِ العظيمة - عندها القدرة على قراءة النبض الخفي داخل جوف أبنائها، كما أنها تفهم ارتعاشة أرواحهم ولو كانت بينها وبينهم المسافاتُ طبقاتٍ بعضها خلف بعض، وتعي حجم المحبة الخالصة التي لا تحتاج إلى أبجدية مشتركة لتصل إلى مستقرها الآمن في قلبها الطاهر.
كيف استطعت يا صديقي أن تصمد سبعة عشر عامًا في الفراغ السحيق؟ سبعة عشر خريفًا قد انثالت فيها أوراق العمر وأنت تقطن في غياهب الاغتراب عن أمك! لقد احترت فهمًا كيف يمكن لهذا الدهر البارد أن يمارس طقوسه الوحشية على روحك ويجردها من كل حقوقها الإنسانية!
لقد عشتَ يا صديقي في سنوات طويلة هي أشبه بقبوٍ مظلمٍ تتآكل فيه الذكريات، وتصير فيه الملامحُ الملائكية أطيافًا لا تنفك تطاردك في صحوك ومنامك، وبشكل مفاجئ بعد سبعة عشر عامًا من عمرك الذي قضيت فيه جل طفولتك وجزءًا من شبابك قد قرر الدهر أن يمنح أسيره المعذبَ لحظةً من الإشفاق، لحظةً يُتوج فيها هذا المعذبُ بطلًا ويُقلّد وسام الصبر، ويُعطى جائزةً هي اللقاء الذي زلزل أركان روحه. في تلك اللحظة الفارقة قد انهار الزمن المتراكم وتلاشت المسافات الجبارة لتقف أنت الابنُ أمام أمك وجهًا لوجه لتقرأ في تجاعيد وجهها خريطة عذابها الخاصة، وتكتشف أن كل ما حققته بعيدًا عنها كان مجرد سراب يفتقر إلى المعنى.
إن أكثر ما يسخر من عواطفنا هو الحسابات البشرية التي تقفُ دائمًا لتعكّر صفو الجمال، فهل تعلم يا صديقي أنك إن أمسكت بورقة وقلم لتحصيَ رصيدك الحقيقي من الحياة، وكم دفنت وجهك في حضن أمك، فقد تكتشف حقيقة تفطر قلبك وتفيض منها عيناك دمعًا مدرارًا.
فيا أيها المعذب، إن حصيلة الأيام التي استطعت أن تشارك أمك استنشاق الهواء ذاته لو جُمعت ورُصّت فوق بعضها فإنها قد لا تتجاوز الأربع سنوات! أربع سنوات - يا الله - فقط قد عشت فيها دفءًا حقيقيًا في مواجهة عمر كامل والصقيع يلفح وجهك بيده الطويلة.
إن زيارةً واحدةً يتيمةً تقوم بها كل عامٍ تشبه قطرة ماء شحيحة تسقط في حلق مسافر تائه في صحراء قاحلة وقد انقطعت عنه سبل الماء، هذه القطرة تروي ظمأك للحظة ثم تتركك تواجه هلاكًا أشدَّ فتكًا، فيا لها من سرقة للحظات الفرح يقوم بها زمن بخيل يستدرجك ليعطيك من نعيمه قطرات ثم يسترد غنيمته دفعة واحدةً، مخلفًا وراءه جرحًا مفتوحًا لا يندمل.
تبقى الأمومة نقطة الضوء الوحيدة في نهاية النفق المظلم، فبالرغم من وجود هذه السوداوية التي تكتنف المشهد الوجودي، فإن الأمومة في تجردها المطلق تأبى أن تعترف بقوانين الفيزياء وبحسابات الزمن الدقيقة، فهي طاقة كونية لا تحدها الجغرافيا إذ تمتلك القدرة على تجاوز حواجزها والنفاذ من خلال شقوق اللغات المختلفة، حتى تمنحك كابنٍ بعيدٍ عن قرة عينك عكازًا من حنان الأم لتتوكأ عليه في كل دروب هذه الحياة الموحشة.
فأنت إن أردت النسيان أو التأقلم فهذا شيء معجزٌ لك كإنسان، لكنك تمتلك القوة الكافية والقدرة القاهرة على الاستمرار في الحياة حاملًا في صدرك مقبرة واسعةً لأيام هربت منك، ومقامًا طاهرًا لحب عظيم لا تفنيه المسافات، ولا تمحوه قسوة الأيام الدائرة.