في محكمة العيون
إنَّ الرجلَ يبقى دهرًا في صفاءِ الفكرِ حتَّى يُصيبَ آلةَ عقلهِ العطبُ عندما يمسُّها العشقُ، فهذا العشقُ لا يمكنُ أن أعتبرَهُ توقّفًا عن التفكيرِ فقط دونَ أن أقولَ إنهُ شيءٌ يُشبهُ التواءً قسريًّا فِي طُرقِ العقلِ الطبيعيِّ. فهل تعتقدُ يا صديقي أنَّ الرجلَ مرهفَ الحسِّ والشعورِ، والذي لطالما كانت نفسُهُ وطينتُهُ مجبولةً على الودِّ ومعجونةً بماء الشعورِ والإحساس، يملكُ سلطةً حقيقيةً تفصلُ بينَ نبضهِ وفكرِهِ؟
أمَّا أنا فأعتقدُ غيرَ ما تعتقدُ! فهذا الرجلُ صيَّرَ الحبُّ عقلَهُ رهينةً لدى قلبِهِ، وحوَّلَ قدراتِهِ الذهنيةَ كلَّها من البناءِ والتحصيلِ إلى الدورانِ العبثيِّ حولَ مركزِ الجاذبيةِ الجديد.
فبوصولِهِ إلى هذهِ الحالةِ، فإنَّ كلَّ المعادلاتِ تفقدُ منطقهَا، وكلَّ السطورِ التي يقرؤُهَا في الكتبِ تصيرُ مجردَ نقوشٍ باردةٍ لا يُمكنُها أن تخاطِبَ الروحَ المشتعلةَ. إنَّ الحضورَ الطاغيَ للمحبوبةِ في الذِّهنِ يمكنُ لهُ أن يحتلَّ حيزَ الوعيِ بالكاملِ، كما ويطردَ كلَّ ما سواهُ إلى هامشِ النسيان.
إنها - يا صديقي - حالةٌ يمكنُ وصفُهَا بالعمى القهرِي؛ وذلكَ عندمَا لا يبصرُ العاشقُ إلَّا وجهًا واحدًا في كلِّ الجهاتِ التي يولِّي وجهَهُ شَطرَهَا، كما أنَّ بوصلةَ مستقبلِهِ يُصيبُهَا خللٌ لا يُرجى برؤُهُ. فهذا المسكينُ لا يعودُ يرى في النجاحِ الدراسيِّ أو المهنيِّ قيمةً تُذكرُ، ما لمْ تكنْ المحبوبةُ الجائزةَ الكبرى في نهايتِه.
إنَّ أقسى ما ينهشُ الروحَ يا صديقي هو ذلكَ الحرجُ الوجوديُّ العاري، أو تلكَ اللحظةُ التي تشعرُ فيها أنكَ تقفُ أمامَ محكمةِ العيونِ بلا جلدٍ يحميكَ. وأنَّ نظراتِ الآخرينَ مجرد انطباعاتٍ عابرةٍ يمكنُكَ الهروب منها، فتكتشفُ فجأةً ودون إنذارٍ مُسبقٍ أنها سياطٌ باردةٌ تجلدُ نقصكَ المستورَ. فهل تعلمُ يا صديقي أنَّ كلَّ ما استطعتُ تشييدَهُ من مجدٍ زائفٍ لم يكنْ إلا محاولةً محمومةً ومذعورةً لغسلِ تلكَ الوصمةِ؟ وأظنُّني - من حيرتيِ - كمنْ يخيطُ لنفسهِ ثوبًا من الذهبِ ليسترَ بهِ تقرحاتِ روحِهِ، أو كمن يجهدُ نفسَهُ في معركةٍ احتمالُ خسارتِها مرتفعٌ؛ وذلك فقط ليتمكنَ من أن يقلبَ موازينَ الرؤيةِ، ويجبرَ تلكَ العيونَ - التي اعتادتْ أنْ تراهُ فِي ألمِهِ العظيمِ والطويلِ هشًّا ومكسورًا - يجبرَهَا على أنْ تُبدِّلَ الزاويةَ التي تنظُرُ إليهِ منها، حتَّى تتحولَ من الشفقةِ المهينةِ إلى الدهشةِ الصامتة.
فنحنُ يا صديقي لم نركضْ خلفَ النجاحِ لذاتِهِ، بقدر ما نركضُ هربًا من جحيمِ أنْ نكونَ ضئيلي الشأنِ في ذاكرةِ من نحبُّ ومن نكرهُ.
فانظُر كيفَ نرممُ واجهاتِنَا المتصدعةَ حجرًا حجرًا وبأعلى تكلُفةٍ يمكنُ تصوُّرُها، والعجيبُ أنَّنَا لا نسكُنُها، ولكن نحجبُ بها عنِ العالمِ حقيقةَ الخرابِ الذي يعششُ فينا.