مراجعة رواية الإخوة كارامازوف
مراجعة شاملة
تنتصبُ روايةُ الإخوةِ كارامازوف كبنيانٍ شاهقٍ في عالمِ السردِ، غارسةً جذورَها في أعمقِ طبقاتِ النفسِ البشريةِ، حيثُ تتجاوزُ كونَها سَرْدًا لأحداثٍ عائليةٍ لتغدوَ مرآةً ضخمةً تعكسُ صراعاتِ الإنسانِ الأزليةَ بينَ النورِ والظلامِ، وبينَ العقلِ والشعورِ. يقدمُ دوستويفسكي هنا وصيتَهُ الفكريةَ الختاميةَ، ساكبًا فيها عصارةَ تجاربِهِ بأسلوبٍ يشبهُ مبضعَ الجراحِ الذي يشرحُ الروحَ بَحْثًا عن مكامنِ الألمِ والأملِ، تاركًا القارئَ أمامَ خريطةٍ مفصلةٍ لتضاريسِ النفسِ بتعقيداتِها المرعبةِ وجمالِها الآسرِ.
يتربعُ الأبُ فيودور بافلوفيتش في مركزِ هذا العالمِ كجذرٍ فاسدٍ لشجرةِ العائلةِ، مُجَسِّدًا الانحطاطَ الأخلاقيَّ والشهوانيةَ المنفلتةَ من أيِّ عِقالٍ. يمثلُ هذا الأبُ العدميةَ في صورتِها الحسيةِ، حيثُ يعيشُ الحياةَ كلحظةٍ متصلةٍ من اللذةِ الفجةِ، مُفْتَقِرًا لأيِّ بوصلةٍ قِيَمِيَّةٍ، مما يجعلُهُ أشبهَ بمهرجٍ مأساويٍّ يرقصُ فوقَ ركامِ المبادئِ. ومن هذا الأصلِ الموغلِ في الوحلِ، تنمو الفروعُ المتناقضةُ للأبناءِ، ليحملَ كلُّ واحدٍ منهم جانِبًا مختلِفًا من الكينونةِ البشريةِ، وكأنَّ الوراثةَ قد وزعتْ أثقالَها بينَهم لتختبرَ قدرةَ الإنسانِ على الاحتمالِ.
يطلُّ الابنُ الأكبرُ ديمتري ككتلةِ لهبٍ متوهجةٍ، يجسدُ الاندفاعَ العاطفيَّ الذي يسيرُ بلا هُدًى. هو العاطفةُ الخامُ التي تفتقرُ للتنظيمِ، والنفسُ التي تتأرجحُ بعنفٍ بينَ الرغبةِ في السموِّ والسقوطِ في الهاويةِ. يشبهُ ديمتري بركانًا نَشِطًا، تحركُهُ انفعالاتُهُ اللحظيةُ أكثرَ من عقلِهِ، وتكمنُ مأساتُهُ في امتلاكِهِ ضميرًا حَيًّا يعذبُهُ بعدَ كلِّ سقطةٍ، فهو يمثلُ الإنسانَ الحسيَّ الذي يحترقُ بنيرانِ رغباتِهِ، ويسعى للتطهرِ منها في آنٍ واحدٍ، ملامِسًا بذلكَ جُرْحًا غائرًا في نفسِ كلِّ من خاضَ صراعًا بينَ ما يريدُ وما يجبُ أن يكونَ.
وفي المقابلِ، يقفُ إيفان كعقلٍ باردٍ وحادٍ كالشفرةِ، مُمَثِّلًا للمنطقِ الصارمِ والتساؤلِ الفلسفيِّ الذي لا يُهادِنُ. يحملُ إيفان عبءَ الوعيِ المفرطِ، رافِضًا قبولَ نظامِ الكونِ القائمِ على معاناةِ الأبرياءِ، ومؤسِّسًا لتمردٍ فكريٍّ شاملٍ. أفكارُهُ تشبهُ المتاهةَ المعقدةَ التي يسجنُ فيها نفسَهُ، حيثُ يتحولُ العقلُ المجردُ من العاطفةِ إلى أداةٍ للهدمِ الذاتيِّ. يجسدُ إيفان مأساةَ المثقفِ الذي يرى بوضوحٍ شديدٍ، حتى يصابَ بالدوارِ من هولِ ما يرى، فتتحولُ أفكارُهُ إلى وحوشٍ تنهشُ استقرارَهُ الداخليَّ.
وسطَ هذهِ التياراتِ المتصارعةِ، ينسابُ أليوشا كنهرٍ هادئٍ يبعثُ السكينةَ، مُمَثِّلًا للضميرِ النقيِّ والمحبةِ الفاعلةِ التي تسعى لرأبِ الصدعِ. يتحركُ أليوشا بينَ أفرادِ عائلتِهِ كخيطٍ حريريٍّ يحاولُ جمعَ الشتاتِ، مُعْتَمِدًا على قوةِ التسامحِ والفهمِ العميقِ للضعفِ البشريِّ. وجودُهُ يمثلُ نقطةَ الارتكازِ الضروريةَ لحفظِ التوازنِ في هذا العالمِ المختلِّ، فهو الشاهدُ الذي يرى الجمالَ حتى في أكثرِ الأماكنِ قُبْحًا. ويبرزُ إلى جانبِهم سميردياكوف كظلٍّ قاتمٍ وانعكاسٍ مشوهٍ لأفكارِ إيفان، ليثبتَ أنَّ النظرياتِ الفلسفيةَ الباردةَ قد تتحولُ عندَ التطبيقِ إلى خناجرَ حقيقيةٍ تقطرُ دماءً.
تتشكلُ حبكةُ الروايةِ حولَ حادثةِ مقتلِ الأبِ، لتغدوَ هذهِ الجريمةُ مُنْطَلَقًا لبحثِ قضيةِ المسؤوليةِ الإنسانيةِ المشتركةِ. يوزعُ دوستويفسكي وِزْرَ الجريمةِ على الجميعِ، فديمتري قتلَ بنيتِهِ المتهورةِ، وإيفان قتلَ بتنظيرِهِ الفلسفيِّ الذي أباحَ المحظورَ، وسميردياكوف نفذَ بيدِهِ. تتحولُ المحاكمةُ في النهايةِ إلى مشهدٍ بانوراميٍّ للمجتمعِ والنفسِ، حيثُ يقفُ الجميعُ أمامَ محكمةِ الضميرِ، مؤكدينَ فكرةَ أنَّ النوايا الخفيةَ توازي في ثِقَلِها الأفعالَ الظاهرةَ.
تتركُ روايةُ الإخوةِ كارامازوف أثرًا غائرًا في نفسِ قارئِها، فهي رحلةٌ شاقةٌ في دروبِ الإنسانيةِ الوعرةِ. يغلقُ الكاتبُ صفحاتِ روايتِهِ، لكنَّهُ يشرعُ أبوابًا واسعةً للتأملِ في مصيرِ الإنسانِ، وحريةِ الاختيارِ، وثمنِ هذهِ الحريةِ. إنها عملٌ أدبيٌّ يجبرُكَ على مواجهةِ الأسئلةِ الكبرى، مُؤَكِّدًا أنَّ الطريقَ نحو النورِ يمرُّ حَتْمًا عبرَ دهاليزِ الألمِ والمعرفةِ الحقةِ للنفسِ.
رأيي في الرواية
في تقديري الشخصيِّ لهذا الأثرِ الأدبيِّ، تكمنُ العظمةُ الحقيقيةُ لدوستويفسكي في قدرتِهِ المرعبةِ على الحيادِ الفنيِّ، فهو يمنحُ الجانبَ المظلمَ في النفسِ البشريةِ حقَّ الكلامِ والبرهنةِ بنفسِ القوةِ والفصاحةِ التي يمنحُها لجانبِ الخيرِ والنقاءِ، دونَ أن يتدخلَ قَسْرًا لترجيحِ كفةٍ على أخرى، تارِكًا للقارئِ وحدَهُ عبءَ الحكمِ ومشقةَ الاختيارِ. هذا الصدقُ الفنيُّ يجعلُ من الروايةِ وثيقةً نفسيةً شديدةَ الخطورةِ، لأنها تجردُ القارئَ من آلياتِ دفاعِهِ النفسيِّ، وتجبرُهُ على رؤيةِ شظايا من كارامازوف داخلَ روحِهِ هو.
أرى أنَّ قراءةَ هذا العملِ تشبهُ الدخولَ في مصارعةٍ حرةٍ معَ الذاتِ، فهي تجربةٌ ذهنيةٌ ونفسيةٌ منهكةٌ بقدرِ ما هي ممتعةٌ. قد يشعرُ القارئُ في بعضِ الفصولِ، خاصةً تلكَ المشحونةَ بالحواراتِ الفلسفيةِ الطويلةِ، بنوعٍ من الدوارِ الفكريِّ، وكأنَّ الأرضَ تميدُ تحتَهُ، لكنَّ هذا الدوارَ هو الثمنُ الضروريُّ للوصولِ إلى الأعماقِ التي لا تبلغُها الأعمالُ الأدبيةُ السطحيةُ. إنَّ دوستويفسكي هنا لا يكتبُ ليربتَ على أكتافِنا، بل ليهزَّنا بعنفٍ، مُوقِظًا فينا الأسئلةَ النائمةَ، ومُؤَكِّدًا أنَّ الأدبَ العظيمَ هو الذي يتركُكَ شَخْصًا مختلِفًا عما كنتَ عليهِ قبلَ تقليبِ الصفحةِ الأولى.