📅 ١٦ فبراير ٢٠٢٦ ⏳ 5 د قراءة

مراجعة رواية الإخوة كارامازوف

الكاتب
شاعر، كاتب
مراجعة رواية الإخوة كارامازوف
🎧 موسيقى مقترحة للقراءة

“تغدوَ مرآةً ضخمةً منصوبةً أمامَ البشريةِ لتعكسَ صراعاتِ الإنسانِ الأزليةَ بينَ النورِ والظلامِ وبينَ العقلِ والشعورِ.”

تقفُ روايةُ الإخوةِ كارامازوف وكأنها بنيانٌ شاهقٌ منتصبٌ في عالمِ السردِ، فهذه الروايةُ تغرسُ جذورَها في أعمقِ طبقاتِ النفسِ البشريةِ. كيفَ لا وهي لا تكتفِي بكونِها سَرْدًا لأحداثٍ عائليةٍ طبيعيةٍ، وإنَّما تغدوَ مرآةً ضخمةً منصوبةً أمامَ البشريةِ لتعكسَ صراعاتِ الإنسانِ الأزليةَ بينَ النورِ والظلامِ وبينَ العقلِ والشعورِ.

وأعتقدُ أنَّ دوستويفسكي يقدمُ في هذه الروايةِ وصيتَهُ الفكريةَ الختاميةَ قبل أن يرحلَ عن هذا العالمِ. فقد استطاعَ أن يسكبَ فيها عصارةَ تجاربِهِ بأسلوبٍ يحاكِي مِبضعَ الجراحِ الذي يبضِّعُ الروحَ ويُشرِّحُها بَحْثًا عن مكامنِ الألمِ والأملِ، أمَّا القارئَ فقد تُركَ في هذهِ الروايةِ أمامَ خريطةٍ مفصلةٍ لتضاريسِ النفسِ بتعقيداتِها المرعبةِ وجمالِها الآسرِ.


يضعُ دوستويفسكي في عالمِهِ المتخيَّلِ الأبَ فيودور بافلوفيتش في مركزِ هذا العالمِ كجذرٍ فاسدٍ لشجرةِ العائلةِ التي نعيشُ معها أحداثَ القصَّةِ، فَهَذا الأبُ يُجسّدُ الانحطاطَ الأخلاقيَّ في المجتمعاتِ البشريةِ والشهوانيةَ المنفلتةَ من أيِّ عِقالٍ.

كما أنّه يمثلُ العدميةَ في صورتِها الحسيةِ، وذلكَ عندمَا تنظرُ إليهِ كقارئٍ وهو يعيشُ الحياةَ كلحظةٍ متصلةٍ وغيرِ منقطعةٍ من اللذةِ الفجةِ مُفْتَقِرًا لأيِّ بوصلةٍ مبدئيَّةٍ أو قِيَمِيَّةٍ، فهذه الطريقةُ في العيشِ تجعلُ هذا الأبَ أشبهَ بمهرجٍ مأساويٍّ يرقصُ فوقَ ركامِ المبادئِ الإنسانيةِ.

وتخيَّل معي أيُّها القارئُ العزيزُ أنَّ من هذا الأصلِ الموغلِ في الوحلِ تنبِتُ الفروعُ المتناقضةُ للأبناءِ؛ ليحملَ كلُّ واحدٍ منهم جانِبًا مختلِفًا من الكينونةِ البشريةِ، وكأنَّ الوراثةَ قد وزعتْ أثقالَها بينَهم لتختبرَ قدرةَ الإنسانِ على الاحتمالِ.


فالابنُ الأكبرُ ديمتري يُطلُّ في الروايةِ ككتلةِ لهبٍ متوهجةٍ ليجسِّدَ الاندفاعَ العاطفيَّ الذي يسيرُ بلا هُدًى. فهذه الشخصيةُ تُمثِّلُ العاطفةَ الخامَ التي تفتقرُ في خطوهَا للتنظيمِ، والنفسَ التي تتأرجحُ بعنفٍ بينَ الرغبةِ في السموِّ والسقوطِ في الهاويةِ.

يمكنُ أن أشبِّهَ ديمتري ببركانٍ نَشِطٍ تحركُهُ انفعالاتُهُ اللحظيةُ أكثرَ من عقلِهِ. أمَّا مأساتُهُ فتكمنُ في امتلاكِهِ ذلكَ الضميرَ الحَيَّ الذي يعذبُهُ بعدَ كلِّ سقطةٍ، فهو يجسِّدُ الإنسانَ الحسيَّ الذي يحترقُ بنيرانِ رغباتِهِ، ويسعى في الوقتِ ذاتِهِ للتطهرِ والتخلُّصِ منها. وأرى أن هذه الشخصيةَ تلمسُ جُرْحًا غائرًا في نفسِ كلِّ من خاضَ صراعًا بينَ ما يريدُ وما يجبُ أن يكونَ.

أمَّا إيفان فيمثِّلُ في الروايةِ العقلَ الباردَ والحادَّ كالشفرةِ التي تقطعُ كلَّ شيءٍ تجري عليهِ، فهذهِ الشخصيةُ تُمثِّلُ المنطقَ في صرامتِهِ والتساؤلَ الفلسفيَّ الذي لا يُهادِنُ.

ثمَّ أجدُ أنَّهُ يكتسِي عبءَ الوعيِ المفرطِ للأشياءِ من حولِهِ، ويرفضُ قبولَ النظامِ الكونِيِّ الذي صاغَهُ البشرُ والقائمِ على معاناةِ الأبرياءِ، كما ويؤسسُ لتمردٍ فكريٍّ شاملٍ ليُطيحَ بعرشِ المألوفِ لدى البشرِ.

وأنا أرى أنَّ أفكارَ إيفان تشبهُ المتاهةَ المعقدةَ والتي يسجنُ فيها نفسَهُ معتقدًا أنه يتحررُ من كلِّ شيءٍ بينما هو واقعٌ في أسرِ أفكارِه، فالعقلُ المجردُ عندهُ يُصيَّرُ أداةً للهدمِ الذاتيِّ بدلًا من تسييرِ العاطفةِ. كما أنَّهُ يجسدُ مأساةَ المثقفِ الذي يرى بوضوحٍ شديدٍ حتى يصابَ بالدوارِ من هولِ ما يرى، فتتحولُ أفكارُهُ إلى وحوشٍ تنهشُ استقرارَهُ الداخليَّ.

يجري أليوشا كنهرٍ هادئٍ يبعثُ السكينةَ في عمقِ هذهِ التياراتِ المتصارعةِ والفوضى العارمَةِ التي تدورُ في أحداثِ الروايةِ، وتُمثِّلُ هذه الشخصيةُ الضميرَ الطاهرَ والنقيَّ والمحبةَ الفاعلةَ التي تسعى لرأبِ الصدوعِ التي تسببُها شخصياتُ الروايةِ.

فهو يتحركُ بينَ أفرادِ عائلتِهِ كخيطٍ حريريٍّ يحاولُ جمعَ الشتاتِ من حولِهِ، ويعتمدُ في ذلك على قوةِ التسامحِ التي وطَّنَ نفسَهُ عليها والفهمِ العميقِ الذي فطنَهُ للضعفِ البشريِّ. وأمَّا وجودُهُ فيمثلُ دورًا مهمًّا لا بدَّ منهُُ، دورَ نقطةِ الارتكازِ الضروريةِ لحفظِ التوازنِ في هذا العالمِ الغريبِ والمختلِّ.

فمن رأيي أن دوستويفسكي فطِنَ إلى أنَّ الحالةَ البشريةَ على مرِّ العصورِ تحتاجُ روحًا تسمو بالتسامحِ والطهارةِ لتعيشَ في أوساطِهَا، فهذهِ الروحُ هي التي توازنُ باقي الارواحِ كي لا تتطرفَ، وهي الشاهدُ الذي يستطيعُ رؤيةَ الجمالِ حتى في أكثرِ الأماكنِ قُبْحًا.

(ويظهرُ إلى جانبِهم سميردياكوف كظلٍّ قاتمٍ وانعكاسٍ مشوهٍ لأفكارِ إيفان، ليثبتَ أنَّ النظرياتِ الفلسفيةَ الباردةَ قد تتحولُ عندَ التطبيقِ إلى خناجرَ حقيقيةٍ تقطرُ دماءً).


حبكةُ الروايةِ تدورُ حولَ حادثةِ مقتلِ الأبِ، لتصبحَ هذهِ الجريمةُ بثقلِهَا في الروايةِ مُنْطَلَقًا تبحثُ قضيةِ المسؤوليةِ الإنسانيةِ المشتركةِ. وقد وجدتُ أن دوستويفسكي استطاعَ توزيعَ وِزْرَ هذه الجريمةِ على الجميعِ:

  • أعطى ديمتري شبهةَ القتلِ بسببِ نيتِهِ المتهورةِ.
  • وأعطى إيفان تهمةَ القتلِ بسببِ تنظيرِهِ الفلسفيِّ الذي أباحَ المحظورَ.
  • وأما سميردياكوف فقد حوَّلَ الأفكارَ إلى واقعِ ونفَّذ بيدِهِ الجريمةَ.

وفي نهاية الروايةِ تتحولُ المحاكمةُ إلى مشهدٍ بانوراميٍّ للمجتمعِ والنفسِ البشريةِ ذلكَ عندمَا يقفُ الجميعُ أمامَ محكمةِ الضميرِ مؤكدينَ فكرةَ أنَّ النوايا الخفيةَ توازي في ثِقَلِها الأفعالَ الظاهرةَ.


لا شكَّ عندي أنَّ روايةَ الإخوةِ كارامازوف تتركُ في نفسِ قارئِها أثرًا غائرًا وعميقًا يمكنُ ملاحظتُه بمجردِ الانتهاءِ من قراءتِها، فهذهِ الروايةُ عبارةٌ عن رحلةٍ شاقةٍ في دروبِ الإنسانيةِ الوعرةِ فلا يمكنُ لأيِّ قارئٍ لهَا أن يلتحقَ بهذه الرحلةِ دونَ أن يخاطرَ بسيرهِ في دروبِهَا.

فالكاتبُ برأيي يغلقُ صفحاتِ روايتِهِ لكنَّهُ يشرّعُ أبوابًا واسعةً للتأملِ في مصيرِ الإنسانِ، وحريةِ الاختيارِ، وثمنِ هذهِ الحريةِ. ويمكنني القولَ: إنَّ هذه الروايةَ عملٌ أدبيٌّ يجبرُكَ على مواجهةِ الأسئلةِ الكبرى، ويؤكّدُ لكَ هذا العملُ أنَّ الطريقَ نحو النورِ يمرُّ حَتْمًا عبرَ دهاليزِ الألمِ والمعرفةِ الحقةِ للنفسِ.

في تقديري الشخصيِّ لهذا الأثرِ الأدبيِّ أنَّ العظمةَ الحقيقيةَ لدوستويفسكي تكمنُ في قدرتِهِ المرعبةِ على الحيادِ الفنيِّ، فهو يمنحُ الجانبَ المظلمَ في النفسِ البشريةِ حقَّ الكلامِ والبرهنةِ بنفسِ القوةِ والفصاحةِ التي يمنحُها لجانبِ الخيرِ والنقاءِ، دونَ أن يتدخلَ قَسْرًا لترجيحِ كفةٍ على أخرى، تارِكًا للقارئِ وحدَهُ عبءَ الحكمِ ومشقةَ الاختيارِ. فهذا الصدقُ الفنيُّ يجعلُ من الروايةِ وثيقةً نفسيةً شديدةَ الخطورةِ لأنها تجردُ القارئَ من آلياتِ دفاعِهِ النفسيِّ، وتجبرُهُ على رؤيةِ شظايا من كارامازوف داخلَ روحِهِ هو.

“إنَّ قراءةَ هذا العملِ أشبهُ بالدخولِ في مصارعةٍ حرةٍ وطويلةٍ معَ الذاتِ، فهذهِ القراءةُ عبارةٌ عن تجربةٍ ذهنيةٍ ونفسيةٍ تُنهكُكَ كقارئٍ بقدرِ ما تجعلُكَ مستمتعًا كمتأمِّلٍ.”

وأظنُّ أنَّ القارئَ قد يشعرُ في بعضِ الفصولِ - خاصةً تلكَ المشحونةَ بالحواراتِ الفلسفيةِ الطويلةِ - بنوعٍ من الدوارِ في الأفكارِ وكأنَّ الأرضَ تسقطُ من تحتِهُ، لكنَّنِ أجدُ أنَّ هذا الدوارَ هو الثمنُ الضروريُّ للوصولِ إلى الأعماقِ التي لا تبلغُها الأعمالُ الأدبيةُ السطحيةُ.

فأنا أعتقدُ أنَّ دوستويفسكي هنا لا يكتبُ ليربتَ على أكتافِنا وإنَّمَا ليهزَّنا بعنفٍ حتَّى يوقِظَ فينا الأسئلةَ النائمةَ، ويؤكدَ أنَّ الأدبَ العظيمَ هو الذي يتركُكَ شَخْصًا مختلِفًا عما كنتَ عليهِ قبلَ تقليبِ الصفحةِ الأولى.

أعجبتك التدوينة؟ شاركها الآن

عليّ الشيخ أحمد الجمري

@irecord.a

مراجعة رواية الإخوة كارامازوف

"قراءة متعمقة في تحفة دوستويفسكي الخالدة، حيث تتبدد الخطوط الفاصلة بين النور والظلام، ونغوص في أعماق الصراعات الإنسانية المعقدة."

اقرأ النص كاملًا 👇