📅 ١٥ مايو ٢٠٢٦ ⏳ 3 د قراءة

مراجعة رواية آلموت

الكاتب
شاعر، كاتب
مراجعة رواية آلموت
🎧 موسيقى مقترحة للقراءة

في أعالي جبالِ البرزِ الشاهقةِ، حيثُ تعانقُ القممُ السحابَ وتنعزلُ عن صخبِ العالمِ السفليِّ، شيدَ الكاتبُ السلوفينيُّ فلاديمير بارتول قلعتَهُ الأدبيةَ الحصينةَ والمتميزةَ "ألموت" عامَ 1938. لم تكن هذهِ الروايةُ مجردَ سردٍ تاريخيٍّ عابرٍ، إنما شكّلت متاهةً فلسفيةً شديدةَ التعقيدِ، ووثيقةً سيكولوجيةً مرعبةً تفككُ آلياتِ صناعةِ الطغيانِ البشريِّ. إنـها حَقًّا عملٌ أدبيٌّ ينضحُ بالعبقريةِ السرديةِ الفذةِ، لكنهُ في الوقتِ عينِهِ يقطرُ سُمًّا زُعَافًا دُسَّ بعنايةٍ فائقةٍ في عسلِ الحبكةِ المشوقةِ.

تبدأُ الروايةُ برحلةِ الشابِّ ابنِ طاهرٍ إلى القلعةِ، ليجدَ القارئُ نفسَهُ أمامَ مصنعٍ متكاملٍ للعقائدِ يُديرُهُ حسنُ الصباح، الذي يظهرُ كنبيٍّ للعدميةِ وتجسيدٍ صريحٍ للميكافيليةِ المطلقةِ. لقد أدركَ الصباحُ بذكاءٍ شيطانيٍّ أنَّ إحكامَ السيطرةِ على البشرِ لا يتحققُ بالسلاسلِ والأغلالِ الماديةِ، إنما يتحققُ بالهيمنةِ التامةِ على الخيالِ والرغبةِ الجامحةِ. يجرّدُ الكاتبُ بارتول الصباحَ من أيِّ وازعٍ دينيٍّ، محولًا إياهُ إلى فيلسوفٍ ملحدٍ يعتبرُ الدينَ أَفْيُونًا ضَرُورِيًّا لترويضِ الجماهيرِ، ومرددًا مقولتَهُ الخطيرةَ: "لا شيءَ حقيقيٌّ، كلُّ شيءٍ مباحٌ". تعكسُ الروايةُ في عمقِها صعودَ الفاشيةِ والشموليةِ في أوروبا في ثلاثينياتِ القرنِ العشرينَ، حيثُ يصنعُ القائدُ الحقيقةَ المطلقةَ للعامةِ.

تصلُ الحبكةُ المشوقةُ ذروتَها الدراميةَ في وصفِ حدائقِ القلعةِ الخلفيةِ؛ مسرحِ الخدعةِ الكبرى، حيثُ أنهارُ الخمرِ والجواري ومخدرُ الحشيشِ. يستخدمُ الكاتبُ هذا الجمالَ الحسيَّ لترسيخِ أسطورةٍ خبيثةٍ، مفادُها أنَّ الإيمانَ ليسَ قناعةً روحيةً عميقةً، إنما هو نتاجُ غريزةٍ وشهوةٍ عمياءَ. يُخدّرُ الفدائيونَ ليعتقدوا أنهم ماتوا ودخلوا الجنةَ، في تزييفٍ متعمدٍ يجعلُ اليقينَ سلعةً قابلةً للصناعةِ، ويسقطُ قيمةَ التضحيةِ الحقيقيةِ.

يتجاوزُ بارتول جعلَ الصباحِ دَجَّالًا، ليطرحَ على لسانِهِ مقارناتٍ فجةً ومرفوضةً مع الأنبياءِ، مدعيًا أنهم مجردُ عباقرةٍ سياسيينَ اخترعوا الدينَ لتوحيدِ البشرِ. وهنا يكمنُ الخطرُ الأكبرُ والسمُّ المدسوسُ؛ إذ يمررُ الكاتبُ فكرةً تخلطُ بين الوحيِ السماويِّ الصادقِ والإيحاءِ النفسيِّ الخادعِ، مساويًا بين رسالةِ النبيِّ محمدٍ (ص) التي حررتِ العقولَ من عبادةِ الأصنامِ وبنتْ أمةً على التقوى، وبين مشروعِ الصباحِ القائمِ على الهلوسةِ والتبعيةِ العمياءِ.

أَدَبِيًّا، تُعدُّ الروايةُ تحفةً فنيةً في رسمِ الشخصياتِ وتصاعدِ الأحداثِ وتحولاتِها المذهلةِ، لكنها تَارِيخِيًّا تُمثّلُ جنايةً كاملةَ الأركانِ. لقد استندَ بارتول إلى إشاعاتِ الرحالةِ وأكاذيبِ الخصومِ ليصنعَ حقيقةً بديلةً، خادعًا قراءَهُ بتاريخٍ مزيفٍ كما خدعَ الصباحُ أتباعَهُ بالجنةِ الوهميةِ. ولا يوجدُ دليلٌ تاريخيٌّ واحدٌ، لا في المصادرِ الإسلاميةِ ولا الآثارِ المكتشفةِ، يثبتُ قصةَ الحدائقِ المزعومةِ وتلكَ المسرحياتِ الملفقةِ.

خِتَامًا، تشبهُ "ألموت" حديقتَها؛ جميلةً وساحرةً تغري بالبقاءِ، لكنَّ هذهِ الحديقةَ تسكنُها الأفاعي السامةُ. ويمكنني القول أنها عملٌ أدبيٌّ يستحقُّ القراءةَ لسببينِ؛ الاستمتاعُ بأسلوبِهِ الرفيعِ، وفهمُ آلياتِ الدعايةِ السوداءِ. ويجبُ على القارئِ الحصيفِ تناولُها بوعيٍ نقديٍّ يقظٍ ليحميَ نفسَهُ، مُدْرِكًا أنـها مرثيةٌ أوروبيةٌ للقيمِ أُلبستْ ثِيَابًا شرقيةً، وقصةٌ عن قوةِ الكذبةِ وصناعةِ الخداعِ، لا حقيقةِ التاريخِ الموثقِ.

أعجبتك التدوينة؟ شاركها الآن

عليّ الشيخ أحمد الجمري

@irecord.a

مراجعة رواية آلموت

"محاولة يائسة لجر القارئ إلى فلسفة العدمية"

اقرأ النص كاملًا 👇