📅 ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ ⏳ 41 د قراءة

عَلَّقتُ وَجدِي عَلَى شَمَّاعَةِ الحِقَبِ

الكاتب
شاعر، كاتب
عَلَّقتُ وَجدِي عَلَى شَمَّاعَةِ الحِقَبِ
🎧 موسيقى مقترحة للقراءة
عَلَّقتُ وَجدِي عَلَى شَمَّاعَةِ الحِقَبِ
وَرُحتُ أَغرَقُ فِي تِيهِي وَفِي طَرَبِي
مِرآةُ عُمرِي تَرَاءَت لِي بِهَا صِوَرٌ
عَذرَا وَكَم لِيَ فِي نَشوَايَ مِن أَرَبِ
وَثبًا إِلَى العِشقِ قَلبِي حِينَ دَلَّ لَهَا
ثَغرٌ وَطَرفٌ لَهَا بِالعِشقِ لَم يَثِبِ
مَملُوءَةٌ بِحَيَا الدُّرِّ المُخَفَّرِ فِي
بَطنِ الخَلِيجِ فَلَم يَطفَحْ وَلَم يُصَبِ
يَحتَلُّهَا كُلَّهَا مَوجُ الحِجَابِ فَلَم
يَدَع لَهَا شَاطِئًا لِلَّهوِ وَاللَّعِبِ
تَلَاطَمَ المَوجُ حَتَّى كَادَ يَطمُرُنِي
بَرَاءَةً تَقتُلُ العُشَّاقَ بِالحُجُبِ
مِن فَرطِ دَهشَتِيَ الأَولَى وَقَفتُ بِلَا
حَرَاكِ جَارِحَةٍ مُلَملِمًا رُكَبِي
خَضرَاءُ مُقلَتُهَا لَميَاءُ مَبسِمُهَا
سَعدَيكَ أَقبِلْ عَلَى مَقدُودَةِ القَصَبِ
تُهِيجُ مَا عَفَّ مِن نَفسِي بِمَحضَرِهَا
هُدُوءُهَا الفَذُّ يُخفِي حَفلَةَ الصَّخَبِ
حِوَارُ أَنفَاسِنَا شَقَّ السُكُونَ وَلَم
أَبرَحْ أَبُوحُ لَهَا بِالجَذبِ وَالعَجَبِ
خُذِي بِطِفلِيَ مِن أَعمَاقِ ذَاكِرَتِي
حَيثُ الأَمَانُ التِفَاتٌ مِن عُيُونِ أَبِي
وَأَنعِشِي قَلبَ أَحلَامِي الَّتِي ذَهَبَت
بِهَا السُّنُونُ الَّتِي مَرَّت كَمَا السُحُبِ
غَرَقتُ فِي لُجَّةِ اللَّاشَيءِ إِن قُتِلَت
أَسبَابُ عِشقِي فَمَا لِلعَيشِ مِن سَبَبِ
بَحَثتُ عَنِيَ فِي نَفسِي بِمِعوَلِهَا
وَجَدتُنِي حَائِرًا بِكَومَةِ النُّوَبِ
جَعَلتُ أَحفُرُ مَا قَد بَانَ مِن كَمَدِي
حَتَّى جَعَلتُ الحَشَا بِئرًا مِنَ الأَدَبِ
مَازِلتُ بَحثًا لَعَلِّي بَعضَ حَاشِيَةٍ
أَو هَامِشٍ عِندَ أَهلِ العِشقِ فِي الكُتُبِ
وَحَارَ وَعْيِ يَخُوضُ العُمرَ مُندَفِعًا
يَفُكُّ مَا بَينَ صِدقِ الحُبِّ وَالكَذِبِ
هَيمَانُ تَسكُنُ عَينِي جَذوَةٌ رَقَصَت
يَومَ التَّلَاقِي عَلَى قِيثَارَةِ الهُدُبِ
حَرَّانُ يَجذِبُ طَرفِي فِي الهَوَى ظَمَأٌ
إِلَى ارتِوَائِيَ فِي نَهرٍ مِنَ اللَّهَبِ
طَفَحتُ بَينَ زُقَاقِ الدَّهرِ مُنعَطِبًا
وَالدَّهرُ لَا يُورِثُ الأَحيَا سِوَى العَطَبِ
خَمسٌ وَعُشرُونَ مَرُّوا مُنذُ أَن سُجِنَت
رُوحِي بِجِسمِي فَيَا لَلصَبرِ لِلتَّعَبِ
قَضَت قَوَانِينُ تَكوِينِي بِمَحكَمَةِ الـ
وُجُودِ حُكمًا بِأَنِّي فِي العُرُوقِ سَبِ
سُلَالَةُ الوَجدِ آبَائِي الَّذِينَ قَضَوا
وَالوَجدُ لَا يَنقَضِي إِن كَانَ فِي النَّسَبِ
إِذَا حَلَلتَ بِحَيٍّ لَا أَخَا شَغَفٍ
بِهِ فَخَلِّ ثَرَاهُ الفَورَ وَاغتَرِبِ
وَاعثُرْ عَلَى بُقعَةٍ بِالنَّايِ تُسكِرُنِي
فِي الجَمرِ تَسكِبُنِي فِي الشِّعرِ تَسكُرُ بِي
حَسبِي مِنَ الفَقرِ أَسلَافِي وَمَا عَمَدُوا
شَادُوا النَّخِيلَ فَذَا حَسْبِي وَذَا حَسَبِي
وَأَشبَعُوا الكَونَ - لَا نَامَت مَآثِرُهُم -
خُمصَ البُطُونِ عَدَا شَيءٍ مِن الرُّطَبِ
كَانَت مَوَاسِمُهُم بِالصِّدقِ قَد نَبَتَت
وَأَقحَطَ اليَومَ أَرضِي مَوسِمُ الرِّيَبِ
نَحشُو البُطُونَ سَرَابًا لَا كَفَافَ بِهِ
وَحشْوُ أَذهَانِنَا ضَربٌ مِن السَّغَبِ
أَرَّختُنِي حَاذِقًا شَبَّت حَدَائِقُهُ
حَتَّى غَدَا قَادِرَ الإِثمَارِ وَهوَ صَبِي
لَولَا رِدَاءُ أَبِي بِالحُبِّ دَثَّرَنِي
لَكُنتُ كَالخَلقِ مَسلُوبًا بِمُستَلِبِ
لَو أَنَّ رَبِّيَ لَم يَختِمْ رَسَائِلَهُ
بِأَحمَدَ الأَمسَ قُلتُ اليَومَ أَنتَ نَبِي
أَبِي وَمَن كَأَبِي شَابَت نَضَارَتُهُ
مِن ضَنكِ عِيشَتِهِ وَالحُبُّ لَم يَشِبِ
وَسَّدتُ مَجهُولَ أَيَّامِي بِرَاحَتِهِ
وَلَم يَزلْ يَزرَعُ المَجهُولَ بِالعِنَبِ
غَرَفتُ مِن حِلمِهِ كَأسًا مُزَهَّدَةً
تَؤُوبُ بِي لِلنُّهَى فِي نَشوَةِ الغَضَبِ
نَارُ الشِّتَاءِ إِذَا أَحطَابُهَا نَضَبَتْ
لَهَا استَعَاضَ بِكَفَّيْهِ عَنِ الحَطَبِ
تَثرِي الجُيُوبُ بِأَورَاقٍ مُزَخرَفَةٍ
وَجَيبُهُ فِي غِنًى بِالخُلقِ وَالأَدَبِ
تَقَاسَمَ النَّاسُ حُليَ القَاعِ فِي طَمَعٍ
وَوَحدَهُ طَامِعٌ بِالنَّجمِ وَالشُّهُبِ
أَفِلذَةٌ ذَا أَنَا أَم مُهجَةٌ عَبَرَت
جَنَانَهُ لِأَسُوقَ الشِّعرَ بالطَّلَبِ
أَنَا الَّذِي رِئَةُ التَّارِيخِ قَد زَفَرَت
قَصِيدَهَا البِكرَ فِي أَحشَايَ والعَصَبِ
لَعِبتُ بِاللَّفظِ طِفلًا نَابِغًا وَلِهًا
أَلبَستُهُ الرَّمزَ حَتَّى صَارَ يَلعَبُ بِي
شَيَّدتُ مِصطَبَةً بَينَ الضُّلُوعِ لِذَا
بَقِيتُ أَنشُدُ شِعرِي عَالِيَ الرُّتَبِ
لَن تَفقَهَ العَينُ أَسرَارِي وَرَونَقَهَا
حَتَّى تُعَاشِرَنِي فِي الحِلِّ عَن كَثَبِ
التِّبرُ فِي التُّربِ سَيَّانٌ لِذِي نَظَرٍ
لَا يَفقَهُ الفَرقَ إِلَا صَاحِبُ الذُّهَبِ
بَيضَاءُ غَيدَاءُ خَضرَاءَ العُيُونِ أَنَا
بَقِيَّةُ الفَخرِ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ

علي الشيخ أحمد الجمري

قِرَاءَةٌ فِي نَبْضِ القَصِيدَة

"بطاقةٌ تعريفيةٌ صيغت بدم القلب وفصاحة الروح، أهديتُها لشريكة عمري لتكون جسرًا من المعرفة بين ماضيَّ العريق وحاضري العاشق، وتحيةَ إجلالٍ لأبي العظيم الذي أحبَّ هذه المعاني قبل رحيله."

من مدحِ الحبيبةِ إلى شَكوى الزمانِ

بدأت القصيدةُ باستعراضِ مهيبٍ لحُسنِ المحبوبةِ وحيائِها، مصورةً إياها باللؤلؤِ المكنونِ المحميِّ بموجِ الحجابِ. ثم ينتقلُ الشاعرُ ببراعةٍ لبثِّ أشجانهِ وتيههِ في دروبِ الحياةِ، كاشفًا عن رحلةِ حيرتهِ وبحثهِ عن الذاتِ وسط نوبِ الدهرِ.

فخرُ الأجدادِ وميراثُ النخيلِ

يتجلى الفخرُ في النصِّ بالانتماءِ لجيلِ الأوائلِ من أهلِ الفلاحةِ والنخيلِ، الذين عاشوا على الكفافِ وأطعموا غيرهم بسخاءٍ، مؤكدًا أن الشرفَ الحقيقيَّ هو ذلك الميراثُ الأخلاقيُّ والقيميُّ الذي يسري في العروقِ.

الأبُ: مِحورُ الفخرِ والقداسةِ الروحيةِ

يصلُ النصُّ لذروتهِ عند مدحِ الأبِ؛ فهو الأمانُ المطلقُ، والحلمُ الهادئُ، والدفءُ الذي يحترقُ كَفَّاهُ لتؤمِّنَ للشاعرِ حياةً كريمةً. يرفعه الشاعرُ لمنزلةٍ تكادُ تلامسُ النبوةَ لفرطِ طهرهِ وعطائِهِ، جاعلاً إياهُ الملاذَ الأخيرَ لكلِّ تيهٍ.

تبرُ التاريخِ وفخرُ الهويةِ

تُختتم القصيدةُ بتعريفٍ بالذاتِ الشاعرةِ؛ فالشاعرُ هو رئةُ التاريخِ، وهو الذي طوَّعَ اللفظَ طفلاً نابغًا، وهو الذهبُ (التبرُ) الذي لا يعرفُ قيمتَهُ إلا الخبراءُ، معتزًّا بهويتهِ التي تجمعُ مجدَ العربِ والعجمِ.

مُعْجَمُ القَصِيدَةِ وَإِضَاءَاتٌ لُغَوِيَّة

  • الحِقَبِ: الأزمان الطويلة والدهور.
  • الأَرَبِ: الحاجة والأمنية والغاية.
  • الطَّرف: العين والنظر.
  • المُخَفَّرِ: المصون والمحمي والمستتر بقوة.
  • لَميَاءُ: ذات شفتين حسناوين.
  • مَقدُودَةِ القَصَبِ: كناية عن الرشاقة واعتدال القوام.
  • اللُّجَّةِ: معظم الماء وموجه المتلاطم.
  • النُّوَبِ: جمع نائبة، وهي المصيبة أو حوادث الدهر.
  • كَمَدِي: الحزن المكتوم الشديد.
  • مُنعَطِبًا: هالكًا أو مصابًا بكسر وتلف.
  • سَبِ: أسير ومسبيّ.
  • خُمصَ البُطُونِ: البطون الخالية الضامرة من الجوع.
  • الرِّيَبِ: الشكوك والظنون السيئة.
  • السَّغَبِ: شدة الجوع مع التعب.
  • حَاذِقًا: ماهرًا بارعًا.
  • ضَنكِ: ضيق العيش وقسوته.
  • لِلنُّهَى: العقل والرشد.
  • أَفِلذَةٌ: القطعة من الكبد، ويقصد بها الابن لفرط غلاوته.
  • التِّبرُ: الذهب الخالص قبل أن يُصاغ.
  • سَيَّانٌ: متساويان ولا فرق بينهما.

أعجبتك التدوينة؟ شاركها الآن

عليّ الشيخ أحمد الجمري

@irecord.a

عَلَّقتُ وَجدِي عَلَى شَمَّاعَةِ الحِقَبِ

"بطاقةٌ تعريفيةٌ قدّمتها لزوجتي أيام خطبتنا؛ أبدأ فيها بمدح حسنها، ثم أبث همومي، وأنتقل لمدح الأجداد، وصولًا لمدح أبي -رحمه الله- الذي قرأ هذه القصيدةَ وسُرَّ بها قبل وفاته، وأختم بالتعريف بنفسي وشاعريتي."

اقرأ النص كاملًا 👇