بَاتَ الفَقْدُ مُضْطَجِعَا
علي الشيخ أحمد الجمري
قِرَاءَةٌ فِي نَبْضِ القَصِيدَة
"نصٌّ يقطر ألمًا ورثاءً جماعيًا، يوثّق فيه الشاعر لحظةً تاريخيةً مريرة حين اجتاح الوباء (كورونا) القرى، ليسلب الأرواح ويباغت الآمنين. تتأرجح القصيدة بين تجسيد الرعب الصامت، واستنكار اللامبالاة، لتنتهي بمناجاةٍ صوفيةٍ تسلّم الأمر للخالق."
◆ تجسيد الفقد والرعب
يستهل الشاعر القصيدة بمفارقة موجعة؛ فالناس يبيتون على "الشوق" لأحبتهم، بينما "الفقد" يبيت مضطجعًا بينهم كضيفٍ ثقيل. الرعب يتسع في الأرحام (البيوت والنفوس) في دلالة على تغلغل الخوف وتجذره. الوباء هنا ليس مجرد مرض، بل وحش كاسر "طاف ثم سعى" مقتبسًا حركة الحج ليضفي طابعًا حتميًا لا مفر منه.
◆ مفارقة الأمس واليوم
يضع الشاعر الحياة ما قبل الوباء في كفة، وما بعده في كفة؛ بالأمس كان الناس يشكون "الملل" من روتين الحياة، واليوم باتت شكواهم هي "الافتقاد" والجزع. هذه المفارقة تكشف هشاشة الطمأنينة البشرية وقيمة التفاصيل العادية التي لم ندركها إلا بعد زوالها.
◆ التشيع الصامت
من أشد أبيات القصيدة وجعًا هو مشهد التشييع الليلي. الموتى "يتكفنون بستار الليل" بعيدًا عن التشييع المهيب الذي يليق بهم، حيث تُذرف الدموع في عجلٍ وخوف. ورغم قتامة المشهد، يفتح الشاعر نافذة نور حين يصف أرواحهم بأنها ترتقي للمرتفعات العليا ناظرةً لخلد الجنان بابتسامة ورضا.
◆ هجاء الجهل والمدّعين
ينتقل الشاعر من الرثاء الحزين إلى الهجاء اللاذع، موجّهًا سهام غضبه لمن يقللون من شأن الوباء (علام بلا علم) ومن ينشرون الشائعات والهلع بين الناس. يطالبهم الشاعر بـ "ابتلاع علومهم الزائفة" والابتعاد، لأن المجتمع لا يحتاج إلى تنظير فارغ في أوقات المآسي، بل لوعي حقيقي.
◆ خاتمة التسليم
بعد استعراض مشاهد اليتم والوجع، وقسوة الذين يتلذذون بالمصائب (يتخذونها مُتعًا)، يختم الشاعر نصه بجرعة أمل عالية. يخاطب بلاده وأهله مطالبًا إياهم بـ "صبر المرتقب"، متيقنًا ومُسلمًا بأن يد الله وإحاطته ورعايته تشمل جميع الخلق في النهاية.
مُعْجَمُ القَصِيدَةِ وَإِضَاءَاتٌ لُغَوِيَّة
- مَكْلُومًا: مجروحًا، من الكَلْم وهو الجرح، ويقصد به الجرح المعنوي البليغ في النفوس.
- الحَيَا: الحياء والخجل، أو الخصب والمطر، وفي السياق هنا أقرب لمعنى "الحياة" والعيش الرغيد المألوف قبل الوباء.
- عَجْلَانَ: مسرعًا متسارعًا، وتوحي بالخوف وارتباك المشيعين ليلاً.
- سُوحٍ: جمع ساحة، أي في كل مكان وناحية من نواحي المجتمع.
- هَرِقًا: يُهريق الماء، أي يصبه ويسكبه بكثرة، وهنا كناية عن كثرة الكلام والتنظير الفارغ.
- نَزِقٍ: الطيش والخفة في العقل والسرعة في الغضب والتصرف بلا تروٍ.
- مَثْكُولِ: من الثُّكل، وهو فِقْدان الحبيب أو الولد، وهو أقسى أنواع الفقد.
- تَسُومُ: تُذيق وتُكلّف، كما في الآية الكريمة "يسومونهم سوء العذاب".
- جَوًى: شدة العشق، وفي سياق القصيدة تعني شدة الحزن وحرقة القلب المبرحة.